بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّهِ الْكَرِيمِ.
همسات مسائية
المجتمعات البدوية بين عقدة القيادة وتحديات التنمية:
من صراع المواقع إلى تكامل الأدوار
تتميز المجتمعات البدوية بخصوصيات اجتماعية وثقافية وتاريخية شكّلت شخصيتها، ورسّخت فيها قيم التكافل والتعاون واحترام المكانة الاجتماعية والعلمية.
غير أن التحولات المتسارعة تفرض إعادة النظر في بعض أنماط إدارة الشأن العام، بما ينسجم مع متطلبات الحاضر وتحديات المستقبل.
ومن أبرز ما قد يُربك مسيرة بعض هذه المجتمعات ما يمكن تسميته بـ«عقدة القيادة»؛ حين تتحول القيادة من وسيلة لخدمة المجتمع إلى مجال للتنافس، ويصبح السؤال: من يقود؟ أهم من السؤال: إلى أين نسير؟
فالقيادة الحقيقية ليست في احتكار القرار، ولا في القدرة على تعطيل الآخرين، وإنما في جمع الناس حول المصلحة العامة، وتنسيق جهودهم، وتحويل طاقاتهم المتفرقة إلى قوة منتجة.
وقد ينعكس التنافس غير المنضبط على المشاريع الجماعية، فيؤدي إلى تعطيل المبادرات، وإضعاف الثقة، وإهدار فرص كان يمكن أن تتحول إلى مكاسب حقيقية للمجتمع. ومن المؤسف أن يصبح الخلاف حول صاحب المبادرة أهم من إنجاح المبادرة نفسها.
ومن جهة أخرى، فإن وضع المطبّات والعراقيل أمام استفادة المجتمع من موارده الطبيعية وطاقاته البشرية، يمثل إهدارًا لجزء مهم من إمكاناته.
فالموارد الطبيعية لا تصنع التنمية وحدها، كما أن وجود الكفاءات لا يكفي ما لم تتوفر آليات لاستثمارها وإشراكها في بناء المجتمع.
إن أبناء المجتمع، بمختلف تخصصاتهم وتجاربهم، يمثلون ثروة حقيقية ينبغي جمعها وتنسيقها، بعيدًا عن الحسابات الضيقة؛ فإقصاء الكفاءات أو تهميشها يحرم المجتمع من قوة كان يمكن أن تسهم في تغيير واقعه.
وفي مواجهة هذه التحديات، تبقى الحكمة والوحدة أساس النجاح.
والوحدة لا تعني إلغاء الاختلاف، وإنما تعني إدارته بما يحفظ المصلحة العامة؛ فاختلاف الرؤى يمكن أن يكون مصدر إثراء، إذا بقي في إطار الإحترام والتعاون، ولم يتحول إلى خصومة أو تعطيل.
ولذلك، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الإنتقال من صراع المواقع إلى تكامل الأدوار؛ فلكل كفاءة مجالها، ولكل تجربة قيمتها، ولكل جيل مسؤوليته.
وليس من الضروري أن يحتكر شخص واحد دور القيادة؛ بل يمكن أن تتكامل أدوار العلماء والمثقفين والإداريين ورجال الأعمال وأصحاب الخبرات والشباب، لخدمة مشروع واحد.
كما أن الحاجة أصبحت ملِحَّة إلى بناء نظام اقتصادي اجتماعي متكامل، يقوم على استثمار الموارد الطبيعية، وتنمية الزراعة والثروة الحيوانية، ودعم التعليم والتكوين المهني، وتشجيع الشباب، والإستفادة من الكفاءات، وإقامة مشاريع مُدِرَّة للدخل، ضمن رؤية واضحة تتجاوز المبادرات المتفرقة.
إن المجتمع الذي يريد أن يحجز لنفسه مكانا في المستقبل، لا بد أن ينتقل من ثقافة التنافس على الواجهة إلى ثقافة التعاون على الإنجاز، ومن استهلاك الموارد إلى استثمارها، ومن ردود الأفعال إلى التخطيط وصناعة المبادرات.
فالمستقبل لا يحتاج إلى من ينتصر في صراع القيادة، بقدر ما يحتاج إلى من ينتصر للمجتمع؛ فتتحول المكانة إلى مسؤولية، والوجاهة إلى خدمة، والقيادة إلى أمانة، والإختلاف إلى تكامل، والموارد إلى مشاريع، والطاقات البشرية إلى إنجازات.
أللهم وفّق مجتمعاتنا إلى ما فيه صلاحها ووحدتها ونماؤها، واجمع كلمتها على الخير، وألّف بين قلوب أبنائها، وبارك في مواردها وكفاءاتها وطاقاتها، واجعل اختلافها إثراءً، وتعاونها إنجازا، وقيادتها أمانة وخدمة للمصلحة العامة.
أللهم ارزقنا الحكمة في القول والعمل، والبصيرة في التخطيط، والإخلاص في خدمة المجتمع، ووفّق أبناءه لما فيه خير حاضرهم ومستقبلهم.
الشيخ أحمدسالم ولدأحمدو
مواطن من مقاطعة كرمسين.
اترارزة مباشر موقع إخباري ومنصة يهتم بأخبار اترارزة
