الهيئات القاعدية … من واجهة الحزب إلى قلب الفعل السياسي
لا تقاس قوة الأحزاب بكثرة هياكلها أو قدرتها على الحشد الموسمي ، بل بمدى اتصالها بالمجتمع وتحويل تنظيمها إلى حياة سياسية مستمرة تسمع انشغالات المواطنين وتساهم في صناعة القرار .
فالهيئات القاعدية ليست عناوين تنظيمية ، وإنما ذاكرة الحزب في الميدان ، ومصدر مهم للمعلومة السياسية والاجتماعية ، والجسر الذي ينقل مطالب المجتمع إلى القيادة ، ويشرح السياسات للمواطنين ، لذلك فإن العمل على إشراكها ينبغي ألا يكون إجراء بروتوكوليا ، بل بداية لمسار يحول الانشغال إلى ملف ، والملف إلى متابعة ، والمتابعة إلى نتيجة أو تفسير واضح .
ولا يعني ذلك أن يحل الحزب محل الدولة أو يتجاوز اختصاص المؤسسات ، بل أن يؤدي دوره بكفاءة ، كنقل المطالب المشروعة ، وتقريب وجهات النظر ، وتوضيح السياسات ، مع البقاء حاضرا حيث توجد أسئلة المواطنين .
فالقرار الأكثر اتصالا بالواقع هو القرار المستند إلى معلومة حقيقية ، وغالبا ما تبدأ هذه المعلومة من الميدان . القيادة تملك الرؤية الأوسع ، بينما تملك القاعدة تفاصيل لا تظهر دائمًا في التقارير ، ومن تفاعل الرؤية مع التفاصيل تتشكل صورة أكثر دقة للواقع .
وتحديث العمل الحزبي لا يقتصر على تطوير الهياكل أو اعتماد الوسائل الرقمية ، بل يتطلب الجمع بين التكنولوجيا والحضور ، وبين قواعد البيانات والمعرفة الميدانية ، فالرقمنة تحفظ المعلومة ، لكنها لا تستشعر وحدها نبض الناس ، والهيكل يحدد المسؤوليات دون أن يضمن فاعليتها ، التنظيم الحقيقي هو الذي ينتج المعرفة والمتابعة والنتائج .
كما تفرض المرحلة مراجعة معايير التقدير وتحمل المسؤولية ، فلم يعد بإمكان العلاقات الشخصية أن تكون سبيلا ، للترشيح للمناصب الانتخابية ، ولا للتوزير والتعيين في المناصب الإدارية ، بل ينبغي أن تكون الكفاءة والحضور والوزن الانتخابي أساسا للمشاركة والتقدم ، فالكفاءات تُقدّر بقدرتها على الإنجاز ، والفاعلون السياسيون بتأثيرهم ، والشباب بدورهم في صناعة المستقبل ، والمناطق بحجم مساهمتها وحاجاتها التنموية ، في إطار القانون والشفافية ، وإشراك الجميع وإنصافه .
ولا ينبغي أن يطول انتظار العطاء السياسي للمكافأة ، فالإنصاف يتحقق في فتح مجال المشاركة ، وتمكين الكفاءات ، وإيصال صوت منطقة ، أو متابعة حق مشروع ، فالنضال السياسي وسيلة لخدمة المواطن ، وقيمته لا تقاس بعدد الاجتماعات والمهرجانات ، بل بما ينتجه من ثقة وحلول وفرص .
لذلك لا يكفي أن نسأل ، كم تحركنا ؟
بل يجب أن نسأل ماذا أنتج هذا التحرك ؟
ماذا تغير في حياة المواطن ؟
ما الملفات التي حلت ؟
وما الكفاءات والأصوات والمناطق التي استفادت ؟
حين يشعر المناضل بأن جهده مقدر ، وصاحب الكفاءة بأن طريق المشاركة مفتوح ، والشاب بأن حضوره يتحول إلى دور حقيقي ، والمواطن بأن صوته لا يضيع ، تصبح السياسة أكثر قدرة على بناء الثقة .
أما الإنصاف الداخلي فليس قيمة أخلاقية فحسب ، بل ضرورة سياسية وتنظيمية .
وحزبنا ( الإنصاف ) ، بوصفه الحزب الحاكم والذراع السياسية لفخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني ، معنيً أكثر من غيره بأن يعكس داخله مبادئ الإنصاف وتكافؤ الفرص واحترام الكفاءة وتقدير الجهد والاقتراب من المواطنين ، والمطلوب هنا معيار واضح ، وهو أن يتقدم من يستحق ، ويُشرك من يضيف ، وتُقدّر الكفاءة بقدر عطائها ، ويكون الحضور الميداني الحقيقي أهم من مجرد الاعتبارات الأخرى .
ومن كرمسين ، كما من سائر المقاطعات والهيئات الحزبية ، يبرز التحدي الأكبر ، الانتقال من حركية موسمية إلى حيوية دائمة ، ومن هيئات تُستدعى عند الحاجة إلى هيئات يُصغى إليها باستمرار ، ومن تنظيم يحصي الحضور إلى تنظيم يقيس الأثر .
فالهيئات الحزبية لا تطلب تجاوز القيادة أو المؤسسات ، بل أن تكون جزءا حيًا من المنظومة السياسية ، تُسمع حين تتحدث ، ويُستفاد من معرفتها ، وتُتابع الملفات التي تحملها ، وتُقاس فاعليتها بما تقدمه للمشروع وللمواطن .
عندها تنتقل من واجهة تنظيمية إلى قلب الفعل السياسي ، وذاكرته في الميدان ، وجسره إلى المواطن ، وأحد أهم مصادر قوته واستمراره . والسياسة التي تبني هذا الجسر لا تحتاج إلى كثير من الكلام ، فالنتائج وحدها تتكلم .
الحضرامي ولد الشيخ ولد حرمة
الأمين العام لحزب الإنصاف على مستوى مقاطعة كرمسين .
اترارزة مباشر موقع إخباري ومنصة يهتم بأخبار اترارزة
