همسات مسائية، ،، حين لا يشفع الوفاء لصاحبه /بقلم الأستاذ الشيخ أحمدسالم ولدأحمدو

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

 

همسات مسائية

 

حين لا يشفع الوفاء لصاحبه!

 

من الأمور التي تدعو إلى التأمل، بل إلى التعجب الهادئ، أن يجد المرء نفسه، بعد مسيرة طويلة من الإنخراط في الشأن العام، ومواكبة مختلف المراحل السياسية التي عرفتها البلاد، بعيداً عن دوائر الإهتمام والتقدير، على الرغم من حرصه على خدمة وطنه، ووفائه لمؤسساته، وتعاطيه الإيجابي مع الأنظمة التي تعاقبت على حكم موريتانيا.

ولعلني، وأنا أستحضر هذه المفارقة، أجدني معنيًّا بها قبل غيري؛ فأنا العبد الفقير إلى الله، الذي بدأت صلته بالعمل السياسي في سن مبكرة، حين كنت تلميذاً في السنة الخامسة من التعليم الثانوي، منخَرِطاً في تنظيم “هياكل تهذيب الجماهير”، حيث توليت مسؤولية المساعد الأول لرئيس حيِّ بوتيدومه(قريتي التابعة لمقاطعة كرمسين).

ومع بداية العهد الديمقراطي، كنت من بين الأطر الأوائل الذين انخرطوا في الحزب الجمهوري الديمقراطي الإجتماعي، إيماناً مني بأهمية المشاركة في الحياة العامة، وحرصاً على الإسهام، من الموقع الذي أتيحت لي فيه الفرصة، في خدمة الوطن والمجتمع.

ولم يكن ذلك الإنخراط، في نظري، مجرد محطة عابرة أو بحثاً عن مكسب شخصي، بل كان تعبيراً عن قناعة مبكرة بأن المواطنة مسؤولية، وأن خدمة الوطن لا ينبغي أن تكون رهينة لتبدُّل الظروف، ولا أن تُقاس بمدى ما يعود على صاحبها من منافع أو مواقع.

ولم تتوقف مسيرتي عند حدود العمل السياسي، بل امتدت إلى ميدان التربية والتعليم، الذي أعتز بالإنتماء إليه؛ فقد تخرجت أستاذاً سنة 1986، وكرست أربعين سنة من عمري لخدمة هذا القطاع، متنقلاً بين المؤسسات التعليمية والإدارية، ومؤدِّياً ما استطعت من واجب تجاه أجيال الوطن.

ومع أنني أمضيت هذه العقود الأربعة في ميدان التربية والتعليم، فإنني لم أحظَ، حتى اليوم، بأي ترقية مهنية. وهي مفارقة تدعو إلى التساؤل، لا من باب الإعتراض على حق أحد، ولا من منطلق المطالبة بامتياز خارج المعايير المعمول بها، وإنما من باب الأمل في أن تحظى المسارات المهنية الطويلة بما تستحقه من مراجعة منصفة، وأن تجد الخبرة المتراكمة طريقها إلى التقدير.

ومع ذلك، فإنني أعتز اعتزازاً كبيراً بما أسهمت به، بفضل الله، في تكوين أجيال من أبناء هذا الوطن؛ فقد تخرَّج على يدي عدد كبير من الأطر الذين يشغلون اليوم وظائف سامية، ويؤدون أدواراً فاعلة في خدمة الدولة والمجتمع، ومنهم من يسهم، في مواقع مسؤوليته، في تنفيذ برنامج فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، الذي تُشْرِفُ حكومةُ معالي الوزير الأول، السيد المختار ولد اجاي، على تنفيذه.

وإنه لشعور يستحق الحمد أن يرى الأستاذ بعض ثمار جهده في تلامذته، وهم يتحملون مسؤوليات وطنية مهمة، ويسهمون في تدبير الشأن العام. فذلك في حد ذاته رصيد معنوي أعتز به، ولا تختزله رتبة وظيفية، ولا ينال من قيمته غياب ترقية إدارية.

غير أن الإعتزاز بهذه الحصيلة لا يُلغي مشروعية التساؤل عن العلاقة بين العطاء والتقدير، ولا يجعل من طول الخدمة أمراً ينبغي أن يمر دون التفات.

فليس من التناقض أن يعتز المرء بما أنجز، وأن يتطلع في الوقت نفسه إلى إنصاف مساره المهني؛ ولا أن يفرح بما بلغه تلامذته من مكانة، بينما يتساءل بهدوء عن أسباب عدم حصوله على أي ترقية طوال أربعين سنة من العمل.

ومن هنا، فإن ما يثير استغرابي ليس اختلافَ الناس في تقدير المواقف، ولا تفاوُتَ حظوظهم في الوصول إلى مواقع المسؤولية؛ فذلك من طبيعة الحياة العامة، وإنما هو التساؤل عن المعايير التي يُستحضر بها تاريخ الأشخاص، وتُقيَّم بها مساراتهم، ويُلتفَت من خلالها إلى ما بذلوه من جهود، وما أبدوه من التزام، وما راكموه من خبرة وتجربة.

أليس من حق من واكب مختلف المراحل السياسية، وظل حريصاً على خدمة وطنه، وأمضى أربعة عقود في تكوين أجياله، أن يأمل في أن يُنظر إلى مسيرته بإنصاف وموضوعية، بعيداً عن الحسابات الظرفية والإعتبارات العابرة؟

إنني لا أكتب هذه الكلمات طلباً لامتياز لا أستحقه، ولا انتقاصاً من حق أحد في التقدير أو المسؤولية، وإنما أطرح تساؤلاً مشروعاً حول قيمة الوفاء في الحياة العامة، وضرورة أن يكون الإنصاف حاضراً في تقييم المسارات، وأن تظل الكفاءة والخبرة والإستعداد للعطاء من المعايير التي يُعتَدُّ بها عند إسناد المسؤوليات وتقدير الإستحقاقات.

فالأوطان لا تُبنى بالقطيعة مع ذاكرتها، ولا تُدار بتجاهل تجارب أبنائها، بل تستفيد من رصيدهم، وتنصف جهودهم، وتفتح المجال أمام القادرين منهم على مواصلة العطاء.

وإذا كان من حق الإنسان أن يختلف في الرأي، وأن يختار لنفسه أسلوباً هادئاً في التعامل مع الشأن العام، فمن حقه أيضاً أن يتساءل، بأدب ووضوح: هل يُقاس تاريخ المرء بما قدمه من خدمة، أم بما يشغله اليوم من موقع؟ وهل يُنظَر إلى الوفاء باعتباره قيمة تستحق التقديرَ، أم مجردَ موقف لا يترتب عليه أي اعتبار؟

تلك همسة لا تحمل خصومة مع أحد، ولا تنطوي على عتاب لشخص بعينه؛ وإنما هي دعوة إلى التأمل في معنى الإنصاف، وقيمة الذاكرة، وضرورة التمييز بين من يطلب موقعاً لمجرد الموقع، ومن يأمل أن يجد في وطنه متسعاً يواصل من خلاله العطاء، مستَنِداً إلى خبرته وتجربته وما راكمه من رصيد في خدمة التعليم والمجتمع.

فالوفاء لا ينبغي أن يكون ثمناً للمنفعة، كما أن الإنصاف لا ينبغي أن يكون منّة؛ وإنما هما، في جوهرهما، من مقتضيات الأخلاق السامية والحياة العامة الرشيدة.

والله من وراء القصد.

 

 

الشيخ أحمدسالم ولدأحمدو

مواطن من مقاطعة كرمسين.

شاهد أيضاً

ساكنة لكصر ولماذا هم محرومون /بقلم الأستاذ المختار عبدالله سين

ساكنة لكصر ولماذا هم محرومون ؟؟   فى بلدية كرمسين المركزية مزيج إجتماعي يعيش فى …