الممنوع من الصرف والمبني على السكون … مثقفون بالتقسيط على أرصفة الكورنيش الاصطناعي :” الحضرامي حرمة”
يبدوا أن الطريق إلى لقب المثقف في زمن الذكاء الاصطناعي أقصر بكثير مما يظن الجميع ، فلا يحتاج الأمر إلى سنوات من القراءة ، ولا إلى معارك طويلة مع الدواة والقلم ، ولا إلى ذاكرة تختزن التجارب والمواقف ، يكفي أن تطلب تعليقا ، ثم تضغط زر النسخ ، لتخرج إلى الناس بنص محكم العبارة ، مكتمل الفقرات ، وكأن صاحبه أمضى عمره في مجالس العلم ومنتديات الفكر ، هكذا أصبح بعض الناس مثقفين بالتقسيط ، يستعيرون الفكرة حين يحتاجون إليها ، واللغة حين تعوزهم ، وما إن يكتمل النص حتى يتقمص صاحبه شخصية المفكر ، وينزل إلى ساحة التعليقات واثقا من امتلاك أدوات لا يعرف كيف صنعت ، ولا يستطيع أن يشرح كيف تعمل .
على رصيف الكورنيش الاصطناعي ، لا يحتاج المرء إلى أن يكون نحويا حتى يتباهى بالممنوع من الصرف ، ولا إلى أن يكون فيلسوفا حتى يوزع أحكامه على العقول ، ولا إلى أن يكون خبيرا في السياسة حتى يفكك المواقف ويعيد تركيبها بلغة توحي بأنه خبير متخصص ، وعالم لغوي ، وفقيه متبحر ، وهو من هو ، المهم أن يبدو النص ذكيا ، وأن تكون عباراته لامعة ، وأن يجد من يسجل إعجاب لصاحبه قبل أن يسأله عما فهم ،
ويا للمفارقة لقد جاءت التكنولوجيا لتوسّع إمكانات الإنسان ، فإذا ببعضهم يستخدمها لتوسيع المسافة بين ما يبدو عليه وما هو عليه ، حيث تمنحه الآلة لغة لا يمتلكها ، واستنتاجات قد لا يدرك مقدماتها ، ثم يخرج بها إلى الناس باعتبارها ثمرة تفكيره الشخصي ، كأن الثقافة أصبحت ثوبا يستعار للمناسبات ، وكأن الكاتب لا يحتاج إلا إلى واجهة أنيقة ليُصنف ضمن نخبة النخبة .
في النقاش السياسي ، تبدو الظاهرة أكثر طرافة وخطورة ، فعندما يقرأ المرء تعليقا يفيض بالمصطلحات ، ويتزاحم فيه التحليل والاستنتاج والتأويل ، يظن أن صاحبه يمتلك رؤية متماسكة وخلفية معرفية راسخة ، لكن ما إن ينتقل النقاش من النص المصقول إلى سؤال مباشر ، أو من العبارة الجاهزة إلى تفصيل صغير في صلب القضية ، حتى تنكشف المسافة بين من يملك الفكرة ومن يتطفل على منشورها فقط .
في السياسة تحديدا ، ليست جودة العبارة دليلا على صحة الموقف ، كما أن كثافة المصطلحات لا تعني عمق التحليل ، فقد يكون تعليق بسيط صادر عن شخص يفهم واقع الناس وتوازنات المجتمع أصدق وأقوى من صفحات مكتوبة بلغة أكاديمية أنيقة ، لكنها منفصلة عن الوقائع ، والسياسة ، في جوهرها ، ليست مسابقة في استعراض المفردات ، بل قدرة على فهم المصالح ، وقراءة السياقات ، والتمييز بين المعلن والمضمر ، واستيعاب ما تقوله الأحداث وما تخفيه .
والأشد إرباكا أن بعض هؤلاء لا يكتفون باستعارة النصوص ، بل يستعيرون معها هيئة المفكر ، ونبرة الواثق ، وأسلوب من يوزع الدروس على الآخرين ، يعلقون على الاقتصاد دون فهم آلياته ، ويحللون الشخصيات والمواقف بلغة حاسمة لا تترك مجالا للشك ، لأن النص الذي بين أيديهم صيغ أصلا ليبدو مكتملا ، حتى حين يكون فهمهم للموضوع ناقصا .
ليس عيبا أن يعترف الشخص بأن المعرفة أوسع من قدرته الفردية ، العيب أن يجعل الاستعانة انتحالا ، وأن يخلط بين امتلاك النص وامتلاك الفكرة ، وبين القدرة على النشر والقدرة على التفكير ، فالثقافة ليست مظهرا لغويا يمكن ارتداؤه عند الحاجة ، والكتابة ليست ثوبا أنيقا يستعيره المرء ليخفي هشاشة ما تحته .
فالمعيار ليس جمال الأسلوب ، وإنما علاقة الكاتب بما ينشره ، هل يفهمه ؟ هل يستطيع مناقشته ؟ هل يملك من المعرفة ما يسمح له بتصحيحه إذا أخطأ ، والدفاع عنه إذا نوقش ؟
قد تمنحك الآلة مقالا في دقيقة ، لكنها لا تمنحك تلقائيا تجربة صاحبه ، ولا ذاكرته ، ولا حسه النقدي ، ولا القدرة على قراءة ما وراء الكلمات ، يمكن أن تساعدك في بناء خطاب ، لكنها لا تستطيع أن تجعل كل خطاب صادر عنك تعبيرا صادقا عن مستواك الفكري.
في زمن أصبح فيه إنتاج الكلام أسهل من أي وقت مضى ، لم تعد الندرة فيمن يستطيع كتابة فقرة متماسكة ، بل فيمن يمتلك ما يستحق أن يقال ، ويعرف لماذا يقوله ، ويتحمل تبعاته حين يُسأل عنه .
تصبحون على مثقفين ومفكرين في الواقع ، لا على فلاسفة الشاشات وخبراء النسخ واللصق ، تصبحون على عقول تصنع الفكرة ، لا أصابعَ تستعيرها ، وعلى أقلام تعرف ما تكتب ، لا نصوص أنيقة تخفي وراءها فراغا معرفيّا .
تصبحون على ثقافة تعاش ، وفكر يمارس ، ومعرفة تثبتها المواقف قبل أن تزيّنها العبارات .
أما المثقفون بالتقسيط ، والمفكرون عند الطلب ، فليلتهم هادئة على رصيف الكورنيش الاصطناعي .
الحضرامي ولد الشيخ ولد حرمة.
اترارزة مباشر موقع إخباري ومنصة يهتم بأخبار اترارزة
