الممنوع من الصرف والمبنى على السكون،،،، مثقفون بالتقسيط على أرصفة الكورنيش الاصطناعي/ بقلم الأمين العام لحزب الإنصاف بكرمسين الأستاذ الحضرامي ولد الشيخ حرمة

الممنوع من الصرف والمبني على السكون … مثقفون بالتقسيط على أرصفة الكورنيش الاصطناعي :” الحضرامي حرمة”

 

 

يبدوا أن الطريق إلى لقب المثقف في زمن الذكاء الاصطناعي أقصر بكثير مما يظن الجميع ، فلا يحتاج الأمر إلى سنوات من القراءة ، ولا إلى معارك طويلة مع الدواة والقلم ، ولا إلى ذاكرة تختزن التجارب والمواقف ، يكفي أن تطلب تعليقا ، ثم تضغط زر النسخ ، لتخرج إلى الناس بنص محكم العبارة ، مكتمل الفقرات ، وكأن صاحبه أمضى عمره في مجالس العلم ومنتديات الفكر ، هكذا أصبح بعض الناس مثقفين بالتقسيط ، يستعيرون الفكرة حين يحتاجون إليها ، واللغة حين تعوزهم ، وما إن يكتمل النص حتى يتقمص صاحبه شخصية المفكر ، وينزل إلى ساحة التعليقات واثقا من امتلاك أدوات لا يعرف كيف صنعت ، ولا يستطيع أن يشرح كيف تعمل .

على رصيف الكورنيش الاصطناعي ، لا يحتاج المرء إلى أن يكون نحويا حتى يتباهى بالممنوع من الصرف ، ولا إلى أن يكون فيلسوفا حتى يوزع أحكامه على العقول ، ولا إلى أن يكون خبيرا في السياسة حتى يفكك المواقف ويعيد تركيبها بلغة توحي بأنه خبير متخصص ، وعالم لغوي ، وفقيه متبحر ، وهو من هو ، المهم أن يبدو النص ذكيا ، وأن تكون عباراته لامعة ، وأن يجد من يسجل إعجاب لصاحبه قبل أن يسأله عما فهم ،

ويا للمفارقة لقد جاءت التكنولوجيا لتوسّع إمكانات الإنسان ، فإذا ببعضهم يستخدمها لتوسيع المسافة بين ما يبدو عليه وما هو عليه ، حيث تمنحه الآلة لغة لا يمتلكها ، واستنتاجات قد لا يدرك مقدماتها ، ثم يخرج بها إلى الناس باعتبارها ثمرة تفكيره الشخصي ، كأن الثقافة أصبحت ثوبا يستعار للمناسبات ، وكأن الكاتب لا يحتاج إلا إلى واجهة أنيقة ليُصنف ضمن نخبة النخبة .

في النقاش السياسي ، تبدو الظاهرة أكثر طرافة وخطورة ، فعندما يقرأ المرء تعليقا يفيض بالمصطلحات ، ويتزاحم فيه التحليل والاستنتاج والتأويل ، يظن أن صاحبه يمتلك رؤية متماسكة وخلفية معرفية راسخة ، لكن ما إن ينتقل النقاش من النص المصقول إلى سؤال مباشر ، أو من العبارة الجاهزة إلى تفصيل صغير في صلب القضية ، حتى تنكشف المسافة بين من يملك الفكرة ومن يتطفل على منشورها فقط .

في السياسة تحديدا ، ليست جودة العبارة دليلا على صحة الموقف ، كما أن كثافة المصطلحات لا تعني عمق التحليل ، فقد يكون تعليق بسيط صادر عن شخص يفهم واقع الناس وتوازنات المجتمع أصدق وأقوى من صفحات مكتوبة بلغة أكاديمية أنيقة ، لكنها منفصلة عن الوقائع ، والسياسة ، في جوهرها ، ليست مسابقة في استعراض المفردات ، بل قدرة على فهم المصالح ، وقراءة السياقات ، والتمييز بين المعلن والمضمر ، واستيعاب ما تقوله الأحداث وما تخفيه .

والأشد إرباكا أن بعض هؤلاء لا يكتفون باستعارة النصوص ، بل يستعيرون معها هيئة المفكر ، ونبرة الواثق ، وأسلوب من يوزع الدروس على الآخرين ، يعلقون على الاقتصاد دون فهم آلياته ، ويحللون الشخصيات والمواقف بلغة حاسمة لا تترك مجالا للشك ، لأن النص الذي بين أيديهم صيغ أصلا ليبدو مكتملا ، حتى حين يكون فهمهم للموضوع ناقصا .

ليس عيبا أن يعترف الشخص بأن المعرفة أوسع من قدرته الفردية ، العيب أن يجعل الاستعانة انتحالا ، وأن يخلط بين امتلاك النص وامتلاك الفكرة ، وبين القدرة على النشر والقدرة على التفكير ، فالثقافة ليست مظهرا لغويا يمكن ارتداؤه عند الحاجة ، والكتابة ليست ثوبا أنيقا يستعيره المرء ليخفي هشاشة ما تحته .

فالمعيار ليس جمال الأسلوب ، وإنما علاقة الكاتب بما ينشره ، هل يفهمه ؟ هل يستطيع مناقشته ؟ هل يملك من المعرفة ما يسمح له بتصحيحه إذا أخطأ ، والدفاع عنه إذا نوقش ؟

قد تمنحك الآلة مقالا في دقيقة ، لكنها لا تمنحك تلقائيا تجربة صاحبه ، ولا ذاكرته ، ولا حسه النقدي ، ولا القدرة على قراءة ما وراء الكلمات ، يمكن أن تساعدك في بناء خطاب ، لكنها لا تستطيع أن تجعل كل خطاب صادر عنك تعبيرا صادقا عن مستواك الفكري.

في زمن أصبح فيه إنتاج الكلام أسهل من أي وقت مضى ، لم تعد الندرة فيمن يستطيع كتابة فقرة متماسكة ، بل فيمن يمتلك ما يستحق أن يقال ، ويعرف لماذا يقوله ، ويتحمل تبعاته حين يُسأل عنه .

تصبحون على مثقفين ومفكرين في الواقع ، لا على فلاسفة الشاشات وخبراء النسخ واللصق ، تصبحون على عقول تصنع الفكرة ، لا أصابعَ تستعيرها ، وعلى أقلام تعرف ما تكتب ، لا نصوص أنيقة تخفي وراءها فراغا معرفيّا .

تصبحون على ثقافة تعاش ، وفكر يمارس ، ومعرفة تثبتها المواقف قبل أن تزيّنها العبارات .

أما المثقفون بالتقسيط ، والمفكرون عند الطلب ، فليلتهم هادئة على رصيف الكورنيش الاصطناعي .

الحضرامي ولد الشيخ ولد حرمة.

شاهد أيضاً

الوكالة الوطنية للطيران المدني تختتم دورة تكوينية لمفتشيها حول نقل البضائع الخطرة جوا

الوكالة الوطنية للطيران المدني تختتم دورة تكوينية لمفتشيها حول نقل البضائع الخطرة جواً   أشرف …