موريتانيا…المظلومة والظالمة رغم فيض الحبّ.
حورات على هامش المؤتمر الافريقي لتعزيز السلم
أن يستقرَّ بلدٌ في قلبك إلى الأبد، فهذا أمرٌ لا يعرفُ أسرارَه غير الله. يُقال إنَّ في الحبّ لقاءَ روحَين، لكنَّ بعضَ الحُبَ خاذِل، وبعضَه الآخر مخادِع، أمّا هُنا حيثُ المدنُ والصحراء والناس يحملون أصالة الإنسان الأول والعُمران الأول والمحبّة الصافية الأولى، لا مجال لخذلان أو ندم. هنا كلّ شيء يرشح بعمق المحبّة، وصدق المشاعر، وكرم الضيافة، فتقبض على الزمن كي لا يفلت من يديك، ويستقرّ طويلاً ويطول المقام.
ليست الصحراء هنا مقصِدًا سياحيًّا، إنّها تذكيرٌ للنفس البشريّة، بأنَّ اللَّه وهبنا مساحةً من نورٍ كي نستعيد هناءة الروح وهدوء النفس، بعيدًا عن ضوضاء المجتمع وثرثرة الناس في المجتمعات الحديثة التي كلّما ابتعَدَت عن جوهر الطبيعة، فقدَت أسرارَ الطمأنينة. كم كان أنطوان دو سانت إكزوبيري مُحقًا حين قال عن الصحراء:” إنَّها تعلّم الانسان أن يرى ما لا يُرى”. عليكَ يا عزيزي القارئ أن تأتيَ إلى هُنا حتّى تغتسل بنور الله من لوثةِ المدنيّة التي اهتمَّت بالمظاهر على حساب صفاء الروح. وحين يهبط ضوء المساء ببطء، تشعر أنَّ الزمن نفسَه يتباطأ احتراماً لهذا السكون. لا ضجيج، لا إعلانات، لا استعجال. فقط صفاء واسع يضعك أمام نفسك دون وسطاء. فكيفَ لا تنتشي الطرُق الصوفيّة بجوهر الإسلام وصدق الرسالة واعتدال المقاصد؟
يعتقد البعضُ، جهلاً أو تجاهُلاً، أنَّ موريتانيا، ليست الا أمواج من الرمال المتلاطمة بالخيَم. يبدو هذا الاعتقادُ الساذج كقصيدة شاعرٍ تنطّح على الشعر فتغزّل بصندالِ أميرة من السحر والجمال لأنّه لم يرَ منها غيرَ قدميها. اذهب يا عزيزي القارئ صوب مُدنِ التاريخ في موريتانيا، سِر بين أطلال البيوت القديمة في مدينة وادان العريقة، حيث كان وادي العلم ووادي التمر صنوان، ستُدرك أن حضارةً كُبرى قامت في هذه البلاد المنسيّة، وستجد في كل شارع اسمَ عالِمٍ ما بزَّه عالِمٌ في عصرنا محفورًا على ما بقي من جُدران. هنا ما زالت شواهد البيوت قائمةً لتذكير العابرين بأنَّها ما زالت قادرة على مقاومة الزمن بعد نحو تسعة قرون حين كان العُمران وقوافل التجّار عناوين بارزة لحضارة المكان. كلُّ حجر هنا يقول: لقد مرّ من هنا تجار، وعلماء، ومسافرون عطشى للمعرفة كعطشهم للماء.
اذهب يا عزيزي القارئ إلى شنقيط العريقة، انزع نَعليكَ وامشِ فوق الرمل لتسريَ في جسدك قصةُ التاريخ والحضارة، وأسرار الثقافة، والعلم، والحب. أخفض رأسك قليلاً وانت داخلٌ إلى إحدى المكتبات القديمة. ستنساب إلى مسامِ حاسةِ الشمّ عندك رائحةُ الورق العتيق والحبر الصامد من أقدم وأعرق مخطوطاتنا الإسلامية والعربيّة. هنا يُباهي الموريتاني بالعلم بينما يتواضع بكلّ شيء آخر، ويفاخر باقتناء الكتب التي هي زينة العائلات ويترفّع عن مباهج الحياة المصطنعة الأخرى. الا يعزز هذا المشهد الثقافي الفريد قناعتنا بانَّ الشغف المعرفي هنا سبق مكتبات العالم بقرون؟ كم يدٍ لمست هذا الورق؟ كم طالب علمٍ حمله عبر الكثبان؟ كم ليلة سهرها قارئ تحت ضوءٍ خافت؟ كم كاتب جلس تحت ضوء القمر يخطّ هذه الحروف من ثقافة، ونور، وإيمان وحب.
جئت الى حبيبتي الدائمة موريتانيا هذه المرّة بعد غيابٍ طال رغم أنّه لم يتعدَ العام الواحد. فهنا زمن اللقاء يمرُّ سريعًا ونتمنى أن يطول، وزمن الغياب يطول رتيبًا ونتمنى أن يزول.
مناسبةُ الزيارة، دعوة كريمة من المؤتمر الافريقي لتعزيز السلم الذي عَقَد بالتعاون مع منتدى أبو ظبي للسلم، دورتَه السادسة في نواكشوط لبحث آفاق السلم والاستقرار في افريقيا، وتعزيز جسور التعاون بين إفريقيا والوطن العربي، واستشراف مستقبل الذكاء الاصطناعي ودور الشباب والنساء، والتركيز على دور العلماء في وأد بذور الفتن والإرهاب، والعودة إلى أخلاق الإعلام الصادق، لأنَّ وطننا الإفريقي العربي الذي يُشكّل ثروة بشريّة وطبيعية هائلة، يحتاجُ الى كثير من الجهد وصفاء النوايا والسلم والاستقرار والعدالة كي يفيد من ثرواته بدلا من تركها تُنهب من قبل الغرب والشرق.
بعد الاستقبال الأخوي الأنيق في المطار، لفتني في بهو الفندق الفاخر والجديد في نواكشوط التي تشهد نهضة عُمرانية وبنىً تحتية واعدة، هذا التنوّع بالضيوف، حيث التقى الأفارقة مع اشقائهم من الخليج ومصر وسوريا ولبنان والعراق، ومع ضيوفهم من أوروبا وسويسرا والولايات المتحدة الأميركية، في تجمّع قلّما نشهد مثيلاً له في عصر الفتن والفُرقة والجشع. وكان لفضيلة الشيخ الجليل والعلاّمة المُجدّد عبدالله بن بَيَّه وعائلته دورٌ بارز في إرخاء روح الحوار الحقيقي والاعتدال المأمول على مناقشات وجلسات وحوارات المؤتمر الذي امتد على ثلاثة أيام.
لم يكن المؤتمر خطاباً رسمياً بقدر ما كان حواراً إنسانياً. استمعت خلاله إلى مداخلات صادقة، إلى قلقٍ مشروع على العالم، وإلى أملٍ لا يريد أن ينطفئ. وكأنما هنا نتذكّر كلمات الأديب الشهير ألبير كامو عن مسؤولية الإنسان في مقاومة العبث عبر التضامن والمحبّة والاخاء. فهنا، في موريتانيا الحاضنة بحبّ كل زوّارها، يبدو السلم والاستقرار أقرب الى الحقيقة منه إلى مجرّد الشعارات.
ثمّة سحرٌ روحاني في موريتانيا، لا يفقهه الاّ من جالس الصوفيّين على الرمال في المساجد العريقة المفتوحة السقوف. لا يمكن ان تشعر يا عزيزي القارئ بحقيقة الاعتدال، وصفاء المقاصد، ونبل المشاعر الإنسانية، وروح الإسلام السموح، الاّ إذا راقبت سلوك أحفاد الطرق الصوفية العريقة. فهنا يتجلّى الإسلام الهادئ النابذ للتعصّب والطائفية والحقد والعنف، ومع كل حمدٍ وذكرٍ للرسول الكريم، ومع كل لمسةِ إصبع على حبيبات المسابح، ينساب إليك شيئًا من سرّ الكون. فهنا وكما قال لويس ماسينيون:” التصوف يعبر الثقافات ليستقرّ في عمق القلوب”.
موريتانيا التي أزروها اليوم لا تكتفي بالتاريخ، ولا تعيش في الماضي رغم عراقته، فهذه نواكشوط التي كنت أزورها حين تتقدّم الرمال الى طرقاتها، وتعبر الجِمال أمامَنا ببطيء كزمنِ الابتعاد عنها، تضجّ بالحياة، طرقاتها تتوسع، مبانيها تكتسي مظاهر الحداثة، بناها التحتيّة تتطور على نحو سريع، اقتصادُها يشهد انفراجات بفضل عائدات الغاز وحسن الإدارة. لكن كلّ بهرجة العُمران لم ولن تقنع الموريتاني، مهما اختلف وضعُه الاجتماعي أو الثقافي أو السياسي، بأنَّ حياة المدينة تغنيه عن كأس “أتاي” ( الشاي الموريتاني اللذيذ) مع حبيبات التمر فوق رمال الصحراء وأمام خيمة تحت ضوء القمر.
وكمّ سرّني أن التقي بأصدقاء آخيتُهم، وفي مقدمهم النائب الشقيق الداه صهيب الذي أسميتهم سابقا رمح العروبة النبيل، والمثقف الموسوعي المفكر والفيلسوف سيد ولد أبّاه الذي صار بمثابة شقيق منذ ان كنت التقيه مع الصديق الشقيق الأقدم والإعلامي البارز عبدالله ولد محمدي في قريتهما النبّاغية التي تعرّفت فيها على كبار المثقفين وعلى المحاضِر العلميّة العريقة وعلى خيرة الناس الطيّبين المضيافين النابضة قلوبهم على قلب القضايا العربيّة وفي مقدمها فلسطين، ونقيب الصحفيين الموريتانيين أحمد طالب المعلوم، والزميل والصديق الصدوق آبي ولد زيدان الذي غالبًا ما يكون لي خير عونٍ اخوي لتقديم حلقات تلفزيونية من نواكشوط ، وقنصل لُبنان الحامل في قلبه موريتانيا قصيدة حب وعرفان حسين سلامة، وسفير سوريا في نواكشوط قصي مصطفى صاحب الحديث الغني والراقي وخفيف الظل ، كما سرّني اللقاء بعد طول غياب بالزميلة والصديقة التونسية الصافية نوفر رمّول التي كتبت مقالة عن زيارتها وضعت فيها كثيرًا من شغاف القلب، وزملاء المهنة الموريتانيين الذين قدموا معها من دبي وبينهم كتّاب وروائيون ومحترفو إعلام يرشحون محبّة وثقافة واخوّة، كما كانت مناسبة للتعرّف على الكثير من الأصدقاء الجدد القادمين من كل جهات الأرض، وبينهم زملاء أعزاء من إذاعة مونت كارلو الدولية التي عملت في ربوعها طويلا وخصوصًا الزميلة المحترفة والمهضومة حنان عبدالله ، وطبيب الأسنان السوري دكتور حذيفة القادم من الخليج الى موريتانيا يؤسس مركزا طبيًّا في بلد يقول عنه أنه مضيافٌ وواعد بنهضة حتميّة، وكثير غيرهم من الزملاء والأصدقاء الموريتانيين الذين احتضنوني بكثير من الأخوة والمحبّة وكرم الضيافة ونبل الأخلاق.
لا مجال للمجاملات في موريتانيا، فهنا ستجد صداقة نبيلة حقيقية، وضيافة حاتميّة نادرة، ولا عجب أن يتنافس عليك سياسيون ورجال أعمال ومثقفون أو أناس عاديون لدعوتك الى عشاء “الكسكسي” اللذيذ على موائدهم. لا بل قد يعيبون عليك الإقامة في الفندق والأكل في المطاعم، ذلك أنَّ الصفات والتقاليد النبيلة هنا ما زالت على حالها منذ قديم الزمن. واستمعنا الى قصائد بليغة أنشدها شعراء وبينهم ذاك الذي اتحفنا بقصيدة طويلة ألّفها وأنشدها بدقائق معدودة في خلال العشاء العامر الذي أقامه لنا الشيخ عبدالله بن بيّه في دارته وضم كبار السياسيين والعلماء والمثقفين الأفارقة والعرب، حيث تعرّفت عن قرب على أثنين من كبار المفكّرين بينهم واللذين كنت اتابع كل انتاجهم منذ زمن بعيد وهما د حسن أوريد من المغرب ود. محمد البشاري الإماراتي المغربي، كما تعرّفت على القامة الثقافة والعلمية د. عراف النايض السفير الليبي السابق في الامارات.
في موريتانيا يهمس الكون في إذنيك قائلا: عد إلى الأصل، إلى البساطة، إلى الإنسان فيك. فموريتانيا ليست مجرد مكان على الخريطة. إنها تجربة صفاء. ومن يدخلها بقلبٍ مفتوح، يخرج منها أخفّ، وأصدق، وأكثر ميلاً إلى السلام والصفاء. ولذلك اعتقد أنَّ بلاد الشناقطة مظلومة وظالمة، فهي مظلومة من قلة الاهتمام الإعلامي العربي بها، وظالمة نفسها لانَّ بعض التواضع جيد لكن كثيرَه يحرم البشريّة جمعاء من اكتشاف كنوز بلد لم يعرف منه العرب والأفارقة والعالم الاّ كل خير وصفاء وسلام ومحبة.
وكان من بديع الصدف أن أزور حبيبتي الدائمة موريتانيا عشية عيد العشّاق. وهل ثمّة أجمل من هذا العشق؟







اترارزة مباشر موقع إخباري ومنصة يهتم بأخبار اترارزة
