شك ودم.. فصل من مواجهة لم تكتمل/ محمد ناجي ولد أحمدو
ليلة شك مظلمة.. الناسخ والمنسوخ سيدا الموقف، نبأ يقول إن ولد سيدينا لقي مصرعه، وأخر ينفي الأمر باستماتة لا تعرف الاستسلام، وثالث يجزم أنه في “أيدي مأمونة” في المستشفى الوطني بين “أحضان” الشرطة الوطنية.
ليلة شك ودم ورصاص وترقب قاتل.. تلك ليلة البارحة، أقسم عدد من معارف ولد سيدينا أن الصورة التي نشرت في صحراء ميديا هي للفتى العشريني، الذي دخل في مواجهة مع دولة بكاملها قبل أيام.
آخرون نفوا الأمر بشدة.. فلا هذه ملامح ولد سيدينا، ولا تلك قسماته.. جادل آخرون بأن الأسارير هي للمطارد السلفي، واستطردوا تغير ملامح وجوه عائلة صدام بعد المواجهة الدامية في الموصل مع قوات الاحتلال الأمريكي قبل سنوات دليلا على أن الرصاص يغير الوجوه.
لم يكن سيدي ولد سيدينا المتهم بالمشاركة في عملية قتل الرعايا الفرنسيين الأربعة قرب ألاك، يتوقع بالتأكيد أنه سيقع في الشرك، وهو يعاند جراحه، وأنه سيبيت الليلة البارحة في المستشفى الوطني، تحت رعاية ومتابعة غرمائه الشرطيين، الذين سجل هدفا في مرماهم يوم الأربعاء الماضي بفراره المذهل من قصر العدل.
راج خلال الساعات الأولى من ليلة البارحة أن ولد سيدينا الذي تطالب السلطة به حيا، قد سقط في أيديها ميتا، فقد تواردت أنباء عن سقوطه قتيلا.
أثناء معركة لم يسبق لها مثيل في التاريخ الوطني استشهد قائد سرية التدخل التابعة للشرطة الوطنية المفتش محمد محمود، قبل أن يشفع الأمر بسقوط أحد السلفيين الذي أمضى ساعات ملقيا على الأرض في ميدان المواجهة.
وتساءل ساكنة الحي النائم في ضاحية نواكشوط الشمالية الغربية: ما هذا يا ترى، قبل أن يبدأ السلفيون في رش الشرطة، التي لم يكن لها بد من الاستعانة بآخرين، مواجهة لم تكن متوقعة على أي حال، وجاءت قوات الدرك لتشد أزر الشرطة.
ضاق الخناق على السلفيين، أحاطت بهم قوى الأمن إحاطة السوار بالمعصم، هي معركة الحياة أو الموت لكلا الفريقين.
مواجهات مساء الأمس والليلة البارحة أسفرت عن حقيقة واحدة، وهي حقيقة صعبة، وكثيرا ما حاولت الحكومة نفيها، لكنها قفزت إلى صف المسلمات: في موريتانيا خلايا مستيقظة ونشطة للسلفية، وتتقن استخدام السلاح، وتبدأ في اصطياد الشرطة، قبل أن تبتدئها الأخيرة بالهجوم.
كان يوم أمس يوم الشرطة، كما بدا من عين المكان، مات قائد الوحدة في شرف، يقول شرطي جريح في المستشفى الوطني.
يبدو أن المعركة الكبيرة أنجبت معركة صغيرة على طريق نواذيبو، ولد سيدينا المطلوب الأبرز فر للمرة الثالثة بعد فراره من مسرح الجريمة في ألاك نهاية ديسمبر، واختفاءه كفص ملح ذاب في الماء يوم الأربعاء الماضي، ولم يضيع رجال الأمن الوقت، تنخلوا رصاصاتهم، ووجهوها ضربة على الرأس لولد سيدينا، وكما تدين تدان.
كان محمد ولد الغزواني الذي رقي قبل أيام إلى درجة جنرال يقود العملية، وكان الآخرون هناك.. لم يكن لمدير الأمن الوطني أن يغيب عن يوم النزال الأكبر.
راودت أماني الانسحاب أفرادا قلائل من رجال الأمن أحدهم رمى سلاحه، وأسلم ساقيه للريح.. لكن قائده أمره بصرامة بالمواصلة، أنت ودمك لبلدك، وجاءت لحظة البذل.. من العار أن تولي دبرك للأعداء يوم الزحف، هي كبيرة.. أمسك سلاحك يا رجل.. أنت الآن أكثر حاجة له من أي وقت مضى.
ولملم الشرطيون أمتعهم، وبدأت أبواق سياراتهم، تعزف لحن ما تخيلوه نصرا.. لقد بدأ فصل جديد من فصول أطول معركة بين قوات الأمن وخارجين على القانون، صار دور الشرطة تفريق المتجمعين، يولع الموريتانيون بالتفرج حتى على المعارك، في طبقات لا شعورهم يستوطن حب للتطلع يستهين بكل شيء حتى الموت.
الدور الأول أحيل إلى قوات الحرس الرئاسي.. وتواصل التطويق.. هل يا ترى سوف يستخدمون قذائف الأربيجي، ويسوونها أرضا.. أم أن المعركة ستتواصل معركة أعصاب.
وعاش الجميع على أعصابهم.. وكل القلوب يسكنها أمل، أن تضع هذه المعركة أوزارها.. الصحفيون الذين باتوا في قاعات التحرير ينتظرون آخر خبر.. ورجال الأمن الذين ينتظرون بفارغ الصبر غسل أيديهم من هذه المواجهة.. مؤشر الساعة يقترب من منتصف الليل.. وأحاديث عن تحضيرات لعملية اقتحام وشيكة.. وطبيعة الاقتحام تبقي طي الغيوب.
لندع شاهد عيان يتحدث، الزميل محمد الأمين محمودي مراسل تلفزيون دبي كان فارس الميدان الوحيد رفقة المصور الجسور الزميل السالك ولد مولود من “صحراء ميديا” الذي لم يترجل عن صهوة كاميرته حتى لحظات متأخرة، لندع ولد محمودي يرسم صورة للمشهد:
“منذ الساعة السادسة مساء ونحن نرابط أمام الفيلا التي يختبئ فيها “السلفيون”.. كنا في مرمى أسلحتهم.. ربما لم يريدوا قتلنا أو ربما لأنهم كانوا يرمون عشوائيا.. لا أعرف.. كنا على بعد أمتار من الفيلا.. اتخذنا مكانا بين الفريقين إلى جانب القتيل السلفي الذي لم نستطع تحديد هويته آنذاك.. مصوري السالك ولد مولود مصور صحراء ميديا.. كان رائعا وشجاعا وفي بعض الأحيان كنت ألتقط بعض الصور، ذلك أن على أحدنا فقط أن يتقدم.. مئات من أفراد الشرطة يطوقون الفيلا ولو من بعد، ثم جاءت قوة من الحرس الوطني أفسحت لها الشرطة المكان.. بلاء الشرطة كان متميزا.. ولد الغزواني ولد آده وقادة الحرس يتابعون المعركة من الميدان.
والجماهير تصرخ .. المواطنون العاديون يريدون المشاركة .. يتساءل الشرطي الذي يتخذ من رابية لا تمنع خوذته من الظهور ساترا طبيعيا يتساءل: إننا نحارب جيشا تحصن في مصنع للذخيرة.. إنهم يقذفون كل أنواع الأسلحة ما جعلنا نعجز عن تحديد عددهم ولا حتى نوعية أسلحتهم.. طلقات متتابعة تأتي من الفيلا.. فيهرع الجميع إلى مخابئهم.. رجل هناك يوزع الماء المعدني على أفراد الشرطة الذين أصيب عدد منهم إصابات لم تكن خطيرة على الأقل في ذلك الوقت، وإن قتل قائدهم… الكل يخشى حلول الظلام مع أن قوة الحرس طمأنت الجمهور قليلا.
معركة يفترض أن ينتصر فيها الأمن الموريتاني غير أن الاستخبارات أيضا انتصرت ويجب أن لا نسلبها هذا النصر.. ينتشر أفرادها: أحدهم في حلة لاعب رياضي، وآخر في هيئة متسول ألقى للتو متوكأه فقد انتهت المهمة.. أسرة بالكامل خرجت مع حلول الظلام أنهكها الاختباء تحت سلالم بيتها.. أخرجها رجال الشرطة من البيت المجاور لبيت “السلفيين”.. كانت الطلقات تمر من فوق رؤوسنا أنا والمصور ورجال الشرطة والحرس وما أقوله إجمالا هو أن الشرطة حازت في أهم مراحل العملية قصب السبق، طبعا إلى جانب صحراء ميديا و صحيفة الأخبار.حتى وقت ذهابي لم تنقل جثة الرجل الذي لم يجرؤ على تصويره غير السالك ولد مولود”.
8 ابريل 2008
ملاحظة: كتب النص في وقت متأخر من الليل، لينشر في يومية الأخبار الصادرة صباحا، والمواجهة مستمرة، وبالتالي فلم يرجح أيا من الفرضيات، وتعامل مع كل واحدة منها.
.
اترارزة مباشر موقع إخباري ومنصة يهتم بأخبار اترارزة