سيدي بوي ولد أباه أسويدي، ،، شهادة من الذاكرة عن رجل يحمل هم الناس/ بقلم دهاه محمدي

سيدي بوي ولد أباه أسويدي.. شهادة من الذاكرة عن رجل يحمل همّ الناس

 

بعض الأشخاص نتعرف إليهم من خلال مناصبهم أو حضورهم في الحياة العامة، وبعضهم نعرفهم من خلال مواقف تسبق الألقاب والمواقع. ومن هؤلاء سيدي بوي ولد أباه أسويدي، الذي أحتفظ له في ذاكرتي بموقف إنساني يعود إلى خريف عام 2018، وما زلت أراه معبرًا عن جانب مهم من شخصيته.

 

لم تكن معرفتي به يومها من خلال العمل السياسي، ولا من خلال نشاط عام جمعنا، وإنما عبر مجموعة على تطبيق واتساب، ضمت عددًا من الأشخاص الذين جمعتهم الرغبة في التواصل وتبادل الاهتمامات.

 

في ذلك الخريف، انتشر خبر مأساة أسرة في أحد الأحياء الشعبية بمدينة روصو، تعرض منزلها لحريق أتى على مسكنها وممتلكاتها، وألحق أضرارًا بأفرادها، بمن فيهم معيلها، فوجدت نفسها فجأة أمام محنة إنسانية قاسية، دون مأوى أو إمكانات كافية لمواجهة تداعيات الحادث.

 

أتذكر أن سيدي بوي ولد أباه أسويدي كان أول من بادر داخل المجموعة إلى طرح فكرة جمع التبرعات لمساعدة الأسرة. لم يكن الأمر مجرد تعاطف عابر مع خبر مؤلم، بل دعوة واضحة إلى التحرك وتحويل مشاعر التضامن إلى عمل ملموس.

 

وسرعان ما تجاوب أعضاء المجموعة مع المبادرة، فجُمعت التبرعات، واشتُريت للأسرة قطعة أرض، وتكفلت الأيادي الخيّرة برعايتها صحيًا حتى خروج أفرادها من المستشفى، كما تم توفير منزل مستأجر يؤويها ويحفظ كرامتها.

 

ما بقي في ذاكرتي من تلك الواقعة ليس حجم المساعدة وحده، وإنما روح المبادرة التي أظهرها الرجل، وقدرته على تحريك الآخرين نحو عمل جماعي يخدم أسرة لم يكن يجمع معظمنا بها سوى الشعور بالمسؤولية الإنسانية.

 

ومنذ ذلك الموقف، أصبحت أنظر إلى سيدي بوي ولد أباه أسويدي بوصفه شخصًا يدرك أن قيمة العطاء لا تقاس بما يملكه الإنسان، وإنما بما يستطيع أن يقدمه للآخرين في اللحظات التي يكونون فيها أشد حاجة إلى المساعدة.

 

من موقف إنساني إلى اهتمام أوسع بالمجتمع

 

لم تتوقف اهتمامات سيدي بوي ولد أباه أسويدي عند مساعدة الأسر المحتاجة أو الوقوف إلى جانب المتضررين، بل امتدت إلى مجالات أخرى، من أبرزها دعم الأنشطة الثقافية والرياضية، والاهتمام بالشباب ومبادراتهم.

 

فبعد مساهماته في دعم الأندية الصيفية في الداخل، وخاصة على مستوى ولاية اترارزة، اتسع نشاطه ليشمل تمويل ودعم عدد من الأندية الثقافية والرياضية في العاصمة نواكشوط.

 

وأعتقد أن لهذا النوع من المبادرات أهمية تتجاوز قيمته المادية؛ فالأندية الثقافية والرياضية ليست مجرد فضاءات للترفيه أو المنافسة، بل مؤسسات اجتماعية صغيرة، تسهم في اكتشاف المواهب، وتنمية روح الانضباط والعمل الجماعي، وتوفير بيئة إيجابية للشباب.

 

ومن يتابع هذا الجانب من نشاطه يدرك أن الاهتمام بالشباب أصبح جزءًا بارزًا من حضوره الاجتماعي، وهو ما يفسر، في تقديري، المكانة التي اكتسبها لدى عدد من الأوساط الشبابية، حتى أصبح بعضهم يلقبه بـ«حامل همّ الجميع».

 

حين يلتقي العمل الاجتماعي بالالتزام السياسي

 

لم يكن مستغربًا بالنسبة إليّ أن يجد سيدي بوي ولد أباه أسويدي طريقه إلى العمل السياسي، فالشخص الذي ينخرط في قضايا مجتمعه، ويتفاعل مع احتياجات الناس، يمتلك بطبيعة الحال رصيدًا من التجربة والعلاقات يمكن أن يشكل أساسًا لمشاركة أوسع في الشأن العام.

 

وقد اختار الانخراط في حزب الإنصاف، مساندًا المشروع السياسي لفخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، وما يتضمنه من توجهات اجتماعية وتنموية، خاصة في مجالات دعم الفئات الهشة وتمكين الشباب وتعزيز التضامن الوطني.

 

وجاء اختياره ضمن الأمانة الدائمة المكلفة بالأنشطة الخيرية ودعم الفئات الهشة في الحزب منسجمًا مع اهتماماته الاجتماعية السابقة، وليضعه أمام مسؤولية جديدة، تتطلب الانتقال من المبادرات الفردية إلى المساهمة في عمل مؤسسي أكثر تنظيمًا واتساعًا.

 

وفي تقديري، فإن القيمة الحقيقية لهذا الموقع لا تكمن في الصفة الحزبية ذاتها، وإنما في ما يمكن أن يقدمه من مبادرات عملية، وفي قدرته على توظيف تجربته الاجتماعية لخدمة المواطنين، وتعزيز التواصل مع الفئات الهشة، وتشجيع العمل التطوعي والشبابي.

 

فالعمل السياسي يكتسب معناه الأعمق عندما يصبح وسيلة للاستجابة لانشغالات الناس، لا مجرد مجال للحضور والمنافسة.

 

ما تعلمته من ذلك الموقف

 

بعد ثماني سنوات تقريبًا من واقعة روصو، ما زلت أتذكر تلك المبادرة بوصفها درسًا بسيطًا في معنى المسؤولية الاجتماعية.

 

لقد علمتني أن المبادرة قد تبدأ بكلمات قليلة داخل مجموعة على واتساب، لكنها تستطيع، عندما تجد من يؤمن بها ويتحمل مسؤولية إطلاقها، أن تتحول إلى عمل يغير واقع أسرة بأكملها.

 

ولا أزعم أن موقفًا واحدًا يكفي للحكم على مسيرة إنسان بكل تفاصيلها، ولا أن العمل الخيري يمنح صاحبه حصانة من النقد أو التقييم، لكنني أؤمن بأن المواقف التي نعايشها بأنفسنا تمنحنا أساسًا صادقًا للحديث عن جوانب من شخصيات أصحابها.

 

وهذه شهادتي في سيدي بوي ولد أباه أسويدي: عرفته أول مرة من خلال مبادرة إنسانية، ثم تابعت جانبًا من اهتماماته الاجتماعية والشبابية، وصولًا إلى حضوره في العمل السياسي.

 

وأتمنى أن يظل ذلك الحس الإنساني الذي عرفته فيه سنة 2018 حاضرًا في مسيرته، وأن يكون رصيده الاجتماعي دافعًا إلى مزيد من العمل والعطاء، فالمواقع تتغير، والألقاب تتبدل، لكن ما يبقى في ذاكرة الناس هو الأثر الذي يتركه الإنسان في حياتهم.

 

وإذا كان لي أن أختصر ما بقي في ذاكرتي من تلك التجربة، فسأقول إن أجمل ما يمكن أن يُعرف به الإنسان ليس المنصب الذي يشغله، وإنما اليد التي مدّها يوم احتاج الآخرون إلى من يقف بجانبهم.

دهاه محمدي

شاهد أيضاً

السنغال:: خيمة شيخنا الشيخ سعدبوه (الغبة) تتواصل في مختلف المدن السنغالية

السنغال خيمة شيخنا الشيخ سعدبوه” الغبة.. تتواصل في مختلف المدن السنغالية   تتواصل في مختلف …