حين تستورد الدولة عجزها: موريتانيا وصهاريج الوقود القادمة من السنغال…بقلم / احمد العالم
هل يعقل أن تُزوَّد موريتانيا بالمحروقات عبر صهاريج برية قادمة من دولة مجاورة، كما لو كنا بلدًا خارجًا تَوًّا من حرب مدمّرة، أو دولة محاصَرة تُدار بأدوات الطوارئ؟
هل يعقل أن يحدث هذا في بلدٍ ساحلي، مستقر أمنيًا، يمتلك ميناءً، ويملك من الموارد ما يؤهله – نظريًا – لتأمين حاجته من أبسط مقومات الحياة الاقتصادية؟
ما يحدث ليس تفصيلاً تقنيًا عابرًا، بل فضيحة سياسات عمومية مكتملة الأركان.
الوقود ليس سلعة ثانوية، بل هو شريان الاقتصاد:
بدونه تتوقف حركة النقل، ترتفع أسعار الغذاء، تتعطل المصانع، يُشلّ الصيد، وتُخنق القدرة الشرائية للمواطن.
ومع ذلك، نجد أنفسنا اليوم أمام مشهد عبثي: دولة تستورد وقودها عبر الشاحنات، تحت رحمة الطرق البرية، والظروف الحدودية، وتقلبات الجوار.
فلنطرح الأسئلة كما هي، دون تجميل أو مواربة:
هل هي أزمة عالمية؟
لا.
هل هو ظرف طارئ؟
لا.
هل هي قوة قاهرة؟
لا.
إنه سوء تسيير مزمن، وضعف تخطيط، وغياب رؤية استراتيجية.
أين المخزون الاستراتيجي الحقيقي الذي يُفترض أن يحمي البلاد من أي اضطراب؟
أين الاستثمار الجاد في البنى التحتية الطاقوية؟
أين إدارة الدولة من هذا القطاع الحساس الذي لا يُدار بعقلية “سدّ الثغرات” ولا بمنطق “إطفاء الحرائق”؟
ما نراه اليوم هو ارتجال، وردود فعل متأخرة، وقرارات تُتخذ تحت الضغط، لا ضمن سياسة طاقة واضحة المعالم.
والأخطر من ذلك، أن هذا العجز يُقدَّم للرأي العام وكأنه أمر عادي، وكأن الدولة لا تملك بدائل، ولا خيارات، ولا مسؤولية.
هنا مكمن الخطر الحقيقي: التطبيع مع الفشل.
حين تعتاد الدولة على إدارة الأزمات بدل منعها،
وحين يتحول الحل المؤقت إلى قاعدة،
وحين يُطلب من المواطن أن يتفهم ما لا يُفهم،
فنحن لا نعيش أزمة محروقات فقط، بل أزمة حوكمة.
موريتانيا لا ينقصها الموقع الجغرافي، ولا الموارد، ولا الاستقرار،
ما ينقصها هو إرادة التخطيط، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والتعامل مع القطاعات الحيوية بعقل الدولة لا بعقل الإدارة اليومية.
إن استيراد الوقود عبر الصهاريج ليس حلاً،
بل إعلان فشل،
وشهادة عجز،
وإنذار صريح بأن الخلل أعمق من أزمة عابرة.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم، ليس: كيف وصل الوقود؟
بل: كيف وصلنا نحن إلى هذا المستوى من الهشاشة؟
اترارزة مباشر موقع إخباري ومنصة يهتم بأخبار اترارزة
